عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
209
معارج التفكر ودقائق التدبر
* أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ( 24 ) . أي : أفمن يتّقي سوء العذاب بوجهه الّذي يوجّهه للّذي فطر السّماوات والأرض حنيفا ، بعيدا عن كلّ شرك بربوبيّة اللّه وإلهيّته ، وقال كما قال إبراهيم عليه السّلام الّذي سبق بيانه وتدبّره في سورة ( الأنعام / 55 نزول ) : * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 79 ) . كمن يكون من الكافرين الظّالمين الّذين لا يتّقون بتوجيه وجوههم للرّبّ الّذي فطرهم وفطر السّماوات والأرض ، فهم يسيرون في حياتهم في سبل الغيّ والضّلال ، تسوقهم أو تقودهم الشّياطين ، من شياطين الإنس وشياطين الجنّ ، إلى جحيم عذابهم الدّائم الخالد يوم القيامة . فإذا كبكبوا في دار العذاب النّار يوم الدّين يقال لهم عند إلقائهم وبعده : ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ : أي : ذوقوا عذاب ما كنتم تكسبون في الحياة الدّنيا من ظلم هو من دركة الكفر الّذي تستحقّون عليه الخلود في النّار . ولما كان عذابهم مكافئا لظلمهم كان أدقّ تعبير عن المكافأة دون زيادة عليها ولو مثقال ذرّة ، أن يقال لهم : ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ . جاء التّعبير عن الإحساس بأنواع العذاب بالذّوق على سبيل الاستعارة ، لأنّ حاسّة الذّوق أشدّ المواضع إحساسا بما يلامسها . إنّ عبارة : أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ لا يصحّ أن تفهم دون استخراج المطويّ فيها ، وهو كما يلي : أَ فَمَنْ يَتَّقِي في الدّنيا بِوَجْهِهِ الّذي يوجّهه للّذي فطر السّماوات والأرض حنيفا سُوءَ الْعَذابِ